يومية سياسية مستقلة
بيروت / °23

أصوات بيروت المنهِكة

Wednesday, October 13, 2021 10:08:16 PM

تلح أجراس منبّهات جارنا في المنزل المجاور، على إيقاظ سكان الطوابق القريبة منه، ابتداءً من الخامسة صباحاً حتى نهوضه من فراشه في السادسة من كل يوم، تمهيداً لتدب الحياة في شرايين المبنى والحي الذي أقطن فيه. فما أن تنتهي أجراس منبهاته حتى تزعق أبواق أوتوكارات مدارس أطفال الحي، الذين غالباً ما يتأخرون عن الموعد؛ وما إن يرحل آخر تلميذ في الحي حتى تبدأ سيارات الجيران، المركونة في الموقف المجاور لغرفتي، بالتحرّك؛ عندها، وبعد أن يكون قد نال التعب من أعصابي وسمعي جرّاء ذلك كله، إضافة لصوت فتح وإغلاق البوابة الرئيسة للمبنى، يتناهى إلى مسامعي صوت جارنا وهو يطرد شقيقته من المنزل، بفعل تعاركها الدائم مع زوجته، مصحوباً بأصوات المخرطة القائمة في المبنى ذاته؛ مع أصوات الباعة الجوالين التي تملأ المكان.

سرعان ما تتحرك بعدها أصوات وجلبة تلاميذ المدرسة المجاورة حيث حفّظوهم أناشيد خاصة كي يرحبوا بأساتذتهم ومعلماتهم، الذين لا يتوانون عن رفع عقيرتهم في وجوه تلامذتهم عند أدنى هفوة تبدو منهم، أو جراء عدم استيعابهم للدروس التي ما زالت تلقّن تلقيناً، فينتج عن الأمر صراخ وهيجان يحسمه المدير، بقوله إنه على الجميع أن ينصاع لأوامره وأوامر المعلمين.

هذه هي تباشير الصباح في مدينة بيروت، والذي لا تكتمل معالمه إلاّ حين يقرر أحد الأجهزة الأمنية الذي يقيم مركزاً في الحي نفسه، القيام بعملية التجريب الأسبوعية الروتينية لآلياته كي لا يصيبها الصدأ، فتهدر الآليات وتزمجر من عوادمها، مع كميات ضخمة من الدخان، إضافة لأصوات المحرك والجنازير.

تقرّر مغادرة الحي والذهاب إلى أحد المقاهي وسط العاصمة الأكثر رقياً، وهو شارع الحمرا، سيراً. سيارات التاكسي لا ترحمك بأبواقها وأصوات سائقيها المستفسرة عن وجهتك؛ تومئ بيديك كجواب سلبي، يرفضون هذه الإيماءة التي يعدّونها ربما إهانة؛ يكرّرون ضرب أبواقهم ورفع عقيرتهم إلى أين الأستاذ؛ هل تريد تاكسي؟ إلى أن ترضخ لهم وتقول بصوت مهذّب كي لا تستفزهم، إنك تمارس رياضة المشي. ومع ذلك، يشتمونك ويغادرون. هكذا هو الحال طالما أنك تسير في الطريق، حيث لا أرصفة خالية ولا ممرّات للمشاة. تصل إلى حرج بيروت، المكان يتسع ليتصرف جسدك على راحته، فيبدأ بإطلاق الغازات التي كدّستها معدتك بفعل توتر الأعصاب الذي راكمته أثناء مغادرتك حيّك المزدحم؛ دقائق ويعود الزحام من جديد؛ أصوات موتوسيكلات تحاول تجاوز الزحام المتفاقم بفعل ضغط السير في أحد الشوارع؛ روّاد إحدى دور العبادة التي تجاور مدرسة صودف أيضاً أنها على موعد انتهاء اليوم الدراسي؛ أصوات سائقي الأوتوكارات الذين يريدون لملمة طلاّبهم الصغار، وسائقي الفانات الذين ينادون بأعلى أصواتهم على مصلّي دار العبادة كي يقلّوهم إلى أماكن سكنهم؛ أصوات أناس يمارسون رياضة المشي أو الدرّاجة أو السكوتر، أو أي شيء، يريدون فتح طريق لهم بأصواتهم بأيديهم، كي يمرّوا؛ يترافق الأمر مع أبواق سيارات حانقة لأن إشارة السير تحولت إلى الأحمر قبل أن تمر، بفعل أناس يقطعون الطريق إلى الجهة الأخرى ولم يلتزموا بدورهم؛ فالمكان الذي تجري فيه هذه الأحداث يجاور تقاطع طرق كبيراً.

تصل إلى شارعك المفضّل حيث أن كمية الأصوات المنبعثة منه تفوق أي مكان آخر، مستشفيات صروح طبية كبيرة لا تُراعي وغير مسؤولة عن سياسة الأصوات المنبعثة بسببها وبفعل زيارة الآلاف لها يومياً. تلوث سمعي وبصري وشمّي يخيّم على المكان مع ذلك، هذه الصروح مسؤولة عن سياستنا الصحية، وهي أكبر من الدولة نفسها، ويمنعون التدخين في حرمها من دون أن يؤمنوا الأمكنة اللازمة لعمّالهم كي يقضوا أوقات فراغهم فيقضونها على مداخل المستشفيات بثياب عملهم التي سيعاودون الدخول بها مجدداً، فتختلط أصواتهم بأصوات أهل المرضى الزائرين وسائقي التاكسي والمشرّدين والمتسوّلين في مشهد يجمع متناقضات شتّى؛ أبواق سيارات وأبواق سيارات إسعاف.

تقرّر الانزواء في مقهى قريب. تسبقك إلى المكان أصوات باعة جوّالين ومتسوّلين وعازفي موسيقى ومجودي أغاني دينية. دور عبادة، على اختلاف انتماءاتها، تصدح ميكروفوناتها في مواعيد عديدة في اليوم؛ أصوات أبواق مواكب مسؤولين؛ عراكات كلامية بين أصحاب الموتوسيكلات والقوى المولجة قمع المخالفات اتصالات هاتفية واتصالات هاتفية مضادة؛ رجاء ورجاء مضاد؛ مطاردات؛ موسيقى عالية تصدح في المقهى نهاراً، فما بالك ليلاً؟ موسيقى أينما وطأت قدماك، في التاكسي في الباص راديو مسجّلة؛ كل ما يخطر في بالك: أدعية، تراتيل، دعايات لدين جديد، لحزب جديد، نقاشات بصوتٍ عالٍ في السياسة؛ ضغط سمعي ويدوي لتدفع للسائق مزيداً من المال؛ طائرات مدنية وحربية، أصوات تلفزيونات، رنين هواتف نقّالة، مكالمات هاتفية تجري على الملأ، في المقهى في السيارة، في الفان؛ أحياناً أكثر من ثلاثة أفراد يُجرون أو يُتلقّون اتصالاً هاتفيا؛ً تفضح حياة وخصوصيات الناس، مولدات الكهرباء، خزّانات وصهاريج المياه ليلاً نهاراً، والصراعات والعراكات بين سكان المباني، وبينهم وبين مافيات موزّعي هذه السلع؛ الأهل ونزاعاتهم حول تشريك بعضهم البعض في الستالايت والإنترنت بفعل القرابة، مجّاناً.

تأوي مساء إلى غرفتك منهكاً متعباً مفكّك الأوصال، تحيّي الجيران؛ يتناهى إلى مسامعك مديحهم لك بأنك أقل الناس مصدراً للضوضاء، فأنت لا تملك تلفزيوناً ولا راديو ولا جهاز كومبيوتر، ولا تضبط منبّهاً لا تملكه، ولا تملك سيارة، ولا يأتي لزيارتك أحد، ولا تثير جلبة لأجل انقطاع المياه أو الكهرباء، أو بسبب تلاعبهم بكلّ ما هو مشترك؛ يشكرونك لأنك تقيم وزناً لهم وللجيرة، لأمرٍ لا يقيمون هم وزناً له.

تصل منهك القوى؛ تشكرهم وتستلقي من فورك، فيرنّ هاتفك: إنه ابنك من البرازيل يطمئن عليك، يسألك عن أحوالك التي يعلمها بكل تفاصيلها وأكثر؛ يسأل هل ما زلت رافضاً مغادرة البلد؛ وقبل أن تبادره بالجواب، يصدح موتور المياه فلا نعود نسمع من بعضنا البعض شيئاً؛ ينقضي الوقت، نعاود الاتصال عبثاً؛ فالإنترنت سيّئ جداً؛ ينقضي الوقت؛ لكن عبثاً أرسل له رسالة صوتية قائلاً فيها إني في صدد تناول أدويتي المهدّئة ليهدأ روعي قليلاً علّني أنام وتهدأ أعصابي، لأحاول التفكير في ما يجمعني بأهل بلدي حقيقة، وما الأسباب التي تجعلني متمسكاً بالبقاء في هذه البلاد الخربة.

أستيقظ بعد ساعة لأتصل مجدداً بإبني. وبعد محاولات عديدة ينجح الاتصال؛ وما أن تبدأ المحادثة من جديد حتى يبدأ صوت آلة الدربكة التي يتعلم على إجادتها ابن الجيران، وهو فتى في مقتبل العمر يتحاشى أحد إزعاجه؛ أصرف النظر عن الأمر برمّته، حتى يأتي المساء ويكون حلّ هدوء الليل، فتبدأ عندها أصوات احتفالات البلدية الموسيقية النشاز، معلنة فيها انتهاء فصل الصيف ودخولنا فصل الخريف، مصحوباً بصلوات جامع من منطقة مجاورة يحاول المشاغبة على الاحتفال، فتدخل عندها أجراس الكنائس المداورة لتؤازر وتدعم الاحتفال، في ملحمة صوتية يسمعها ولدي عبر الهاتف، مطلقاً ضحكة رنّانة عالية الصوت، فأضحك بدوري؛ فتمتزج أصوات ضحكاتنا بإزعاجات ما يجري من حولنا عبر هاتف نقال يعمل طبقاً لمزاج مدينة تعيش هيستيريا قلّ نظيرها.

المدن

 

مقالات مشابهة

قبل شراء الساعات الذكية.. فكّروا في هذه الأمور

مشكلة مع الصبّاح إثر تصريح نادين نجيم؟

من سيؤدي دور تيم حسن في النسخة التركية من مسلسل “الهيبة”؟

أول تسجيل صوتي لزوج نانسي عجرم بعد خبر انفصالهما

هل يستحق مسلسل “لعبة الحبار” هذا النجاح؟

"لبنان: دراسات في المجتمع والاقتصاد والثقافة"

مغامرة لولي عهد دبي على ارتفاع 250 متراً

بالمطرقة والمنشار قتل شقيقه وقطع أطرافه