يومية سياسية مستقلة
بيروت / °22

جوليا بطرس "الإنسانة قبل كل شيء"

Friday, September 25, 2020

بقلم دافيد عيسى-  سياسي لبناني
 

انه عصر الانحطاط والانحدار الأخلاقي وزمن التطاول على القامات والمقامات. عصر ارتفع فيه سهم التافه والسخيف وانخفض فيه سهم الرزين والعاقل.

نعم... نحن في مرحلة تسمى مرحلة الرداءة. وقد قال فيها المفكر الأميركي الشهير نعوم تشومسكي: اجعل الرداءة تعم حتى تصبح عادية ثم مستساغة ثم مطلوبة.

ان أسوأ ما يمكن ان يتجرعه المرء في حياتنا الراهنة هو القبول بالرداءة. الرداءة في الأداء، في العطاء، في القول وفي الفعل... الرداءة التي تحاصر اسماعنا وأحاسيسنا من خلال بعض الناس الذين لا يفقهون معنى الحياة ويشوهون حقائقها وقيمها. فيمعنون في الإيذاء وإطلاق سهام النقد والاتهام جزافاً وعشواءً. ويحشرون انوفهم في ما لا يعنيهم ويتجاوزون حدودهم ويخرجون على الأصول واللياقات.

أقول هذا بعدما هالني الكلام غير المبرر وغير المفهوم الذي استهدف الفنانة الكبيرة جوليا بطرس وما اتصف به من تحامل واتهامات غير صحيحة.

جوليا بطرس لا تحتاج الى من يدافع عنها ولا تأبه لمن يتحامل عليها، لأن فيها من الصدق والترفع والشفافية ما يجعلها أقوى من أي تجنٍ وتعدٍ. فلا الإطراء يسكرها ويكسر تواضعها، ولا الهجاء يجرحها وينال منها. جوليا قبل كل شيء انسانة رائعة تختزن في شخصها قيم المحبة والعطاء، هي التي تعمل بصمت بعيداً عن الاعلام والاستعراض، وتعطي بسخاء وتنحاز دائماً الى المظلومين والضعفاء والفقراء ولا ولم تنحز مرة الى أي فريق سياسي داخلي ولم تسمح لأحد منهم بأن يستغل اسمها النقي وصوتها الشجي وأن يسيئوا الى مسيرتها الناصعة وفنها الراقي.

جوليا طالعة من صفوف الشعب، له تغني واليه تحتكم وبقضاياه العادلة تلتزم. ولذلك دخلت قلوب الناس وعقولهم وسكنت وجدانهم وأحلامهم وأضحت رمزاً وطنياً خارج كل حسابات وتصنيفات السياسة. تمثل وتعكس صورة لبنان الذي أحببناه ونتلهف الى عودته، لبنان الفن والجمال والحضارة والحرية.

 جوليا بطرس انتماؤها دائماً هو للأرض وولاؤها هو للبنان. الشعب هو القضية. وإسرائيل هي العدو... لم تنزلق جوليا يوماً الى تجاذبات وزواريب السياسة اللبنانية المقيتة. فنها الأصيل أرقى من ان يهبط وينحدر الى مستويات وأجواء لا تليق به. رسالتها في نشر الحق والعدالة ونصرة الضعيف والمظلوم، أعمق وأقوى من ان يؤثر فيها تحامل من هنا او هناك.

جوليا بطرس قامة وقيمة، واهم من يعتقد انه قادر على الإساءة لها عبر كلام تافه من هنا ورأي سخيف من هناك، ومخطئ من يريد ان يفصّل فن جوليا على قياس مصالحه وأهوائه، وجاهل من يظن ان جوليا تبحث عن إعلام وأضواء ودعاية وشهرة، هي التي تعطي بصمت وسخاء وهدوء من دون منة وحساب ولا تعرف يدها اليسرى ما تفعله اليمنى. هي التي تعطي من دون استعراض ودون كاميرات وبعيداً عن الشاشات.

الى من لا يعرف أقول... عندما انفجرت بيروت في عصر ذلك اليوم المشؤوم، سارعت جوليا الى إغاثة ومساعدة العائلات المنكوبة التي قذف بها الانفجار المروع الى الشارع هائمة على وجوهها المثخنة بالجراح الملطخة بالدماء. فنشطت مع ابنها سامر لتأمين إقامة هانئة محترمة لمن حرموا من سقف يحميهم ومن الأمان والفرح، وعملت وساعدت جمعيات كثيرة على بلسمة الجروح والتخفيف من معاناة الناس الذين فقدوا في لحظات ما جنوه في سنوات.

كفوا السنتكم عن هذه السيدة الكبيرة. دعوها وشأنها. لا تمسوا رصانتها وسموَّها ولا تشوهوا صورتها وحقيقتها الساطعة. فأنتم إذا فعلتم أو حاولتم تكونون جاهلين وسيئين وتصوبون في الاتجاه الخاطئ وتضيعون وقتكم وتحصدون الخيبة، لأنها لا تشبه الا نفسها وما يصح مع غيرها لا يصح معها، ولأن جوليا بطرس تنتمي الى لبنان الجميل العالي الجبين مثل أرز الرب العابق برائحة المجد.  

 

مقالات مشابهة

هل أنهى تكليف الحريري الثورة؟

اسئلة برسم الرئيس ماكرون: هنا أصاب وهنا أخطأ

كتاب إلى الرئيس سعد الحريري

17 تشرين والحل المنشود.. لا بد من مؤتمر تأسيسي يعيد صياغة السلطة

هل تلاشت الثورة؟ ولماذا؟

إشارات تأزم رئاسية والتكابر لم يعُد ينفع

بكائيات باسيل والمفاوضات اللادستورية

١٣ تشرين إن حكى