يومية سياسية مستقلة
بيروت / °22

توضيح قانوني حولَ مدى إمكانية المصارف في مباشرة أو استئناف إجراءاتها القضائية المتعلقة بتخلّف مدينيها من المقترضين عن سداد المستحقات المالية

Wednesday, January 13, 2021

بقلم المحامي هيثم عدنان عزُّو

ما ان انتهى أجل مفعول قانون تعليق المهل حتى تهافتَ العديد من الزملاء المحامين وكلاء المصارف الى استئناف أو مباشرة اجراءاتهم القضائية ضد المقترضين المتخلفين عن السداد، معتبرين أنَّه يقتضي إعادة العمل بكافة المهل القانونية والقضائية والعقدية المتعلقة بالقروض المصرفية طالما أن المشترع لم يستثنِ صراحةً هذا الموضوع من المهل المحددة حصراً في القانون الأخير الصادر عنهُ بتاريخ 21/12/2020؛ ولكن رويداً وتعالوا نقرأ ونحلِّل سوياً في آخِر المستجدات القانونية.
أقرّ مجلس النواب في جلسته التشريعية الأخيرة القانون رقم 199/2020 والذي أصبح ساري المفعول بنشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 31/12/2020 والذي جاء تحت عنوان "تمديد بعض المهل ومنح بعض الإعفاءات من الضرائب والرسوم"، وذلكَ بعدَ أن سبق لهذا الشارع أنَّ أقرَ بدايةً القانون رقم 160/2020 ومن ثمَّ مدد العمل به بالقانون رقم 185/2020 والذي علَّق فيهما حكماً سريان جميع المهل القانونية والقضائية والعقدية الممنوحة لأشخاص الحقيّن العام والخاص منذ تأريخ 18/10/2019 ولغاية تأريخ 31/12/2020 وذلكَ نتيجةً للظروف التي تمرّ بها بالبلاد لا سيما الصحيّة منها بسبب تفشي وباء كورونا والتي أدت الى تعطّل الحياة العامة في البلاد.
انَّ السؤال الجوهري الذي يطرح ذاتهُ بذاتهِ على بساط البحث القانوني هو معرفة مدى امكانية وكلاء المصارف في مباشرة أو متابعة الاجراءات القضائية ضد المدينين المتخلفين عن تسديد القروض التي سبق لهم الاستحصال عليها منها وذلك على أثر انتهاء مفعول القانونيَّن المنوّه عنهما رقم 160 و185.
للإجابة على هذه الاشكالية لا بد من معرفة ما إذا كانت المهل القانونية والعقدية والقضائية المتعلقة بالقروض المصرفية ما زالت معلقة وفق القانون الجديد رقم 199 المشار اليه انفاً ومعرفة تبعاً لذلك الأثر القانوني الذي قد يترتب على تخلُّف المقترضين عن سدادها؟
من الملاحظ بدايةً، أنّ القانون الجديد رقم 199/2020 لم يُعلِّق أو يُمدد جميع المهل القانونية والقضائية والعقدية الممنوحة لأشخاص الحقين العام والخاص، كما فعل القانون رقم 160/2020 والقانون رقم 185/2020 وهذا ينسجم أصلاً مع التسمية السالفة الذكر والتي تم عنوَنتهُ فيها واقتصاره بالتالي على تعليق بعض المهل المذكورة فيه دون سواها.
من الملاحظ أيضاً أن الشارع لم يستعمل في هذا القانون عبارة تعليق المهل المتعلقة بسداد القروض المصرفية وانمّا استعاض عنها بعبارة تعليق مفاعيل البنود التعاقدية المتعلقة بالتخلف عن تسديد هذه القروض مع تعليق الإجراءات القانونية والقضائية والعقدية التي يتم مباشرتها بها بوجه المقترضين المتقاعسين أو المتوقفين عن تسديدها، وذلكَ ينجلي بوضوحٍ تام من أحكام المادة الأولى من هذا القانون والتي نصّت على ما حرفيّتهُ:"خلافاً لأي نص آخَر تُعلَّق لمدة ستة أشهر من تاريخ نشر هذا القانون مفاعيل البنود التعاقدية المتعلقة بالتخلّف عن تسديد القروض بكافة أنواعها سواء المدعومة منها وغير المدعومة من تجارية وسكنية وصناعية وزراعية وسياحية وبيئية وتكنولوجيا معلومات بحيثُ لا تسري على المقترض أي جزاءات قانونية أو تعاقدية بما في ذلك أي زيادة على معدل الفائدة بسبب التعليق اعتباراً من 1/1/2021. تُعلق جميع الإجراءات القانونية والقضائية والعقدية التي يباشر بها خلافاً لأحكام هذا البند، وتتوقف مهلة مرور الزمن المسقط للحقّ خلال مدّة نفاذه".
وغنيّ عن البيان أنهُ ولئن كانَ صحيحاً أن المشترع لم يذكر صراحةً في القانون الجديد عبارة تعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية المتعلقة بسداد القروض المصرفية، الاَّ أنهُ من الصحيح أيضاً أنه بتعليقه لمدة ستة أشهر منذ أول العام الحالي مفاعيل البنود التعاقدية المتعلّقة بالتخلف عن تسديدها وتعليقه في الوقت عيّنه جميع الإجراءات القضائية والقانونية والعقدية الخاصة بها خلال هذه المهلة، يؤول حتماً في الحقيقة الى ذات النتيجة القانونية طالما أن المشترع نفسه الذي لم يُعلِّق المهلة الخاصة بالقروض المصرفية، علَّق مفاعيل هذه العقود واجراءات الملاحقة القانونية والقضائية بشأنها طيلة الفترة المنوّه عنها؛ بمعنى آخَر أنَّ تعليق جميع الاجراءات القضائية والقانونية والعقدية خلال الفترة المحددة من المشترع يعني ضُمناً وحُكماً تجميد هذه المهلة واعتبارها معلّقة طالما أن الإجراءات معلّقة بصورة حكمية خلالها، باعتبار أنَّ الإجراءات المُعلَّقة تستتبع حتماً تعليق الفترة الزمنية التي أرادَ المشترع خلالها تعليق السير بهذه الاجراءات وبدليل استثنائه في الفقرة الأخيرة من المادة الأولى هذه المهلة من مدة مرور الزمن المُسقط للحقوق الشخصية وجعلهُ لها مجمّدة وموقوفة طيلة مدة نفاذها وهو ما يعني قانوناً عدم احتساب فترة تعليق الاجراءات واعتبارها بحكم المُعلَّقة قانوناً.
وفي الواقع أنَّ عدم استعمال الشارع لعبارة تعليق هذه المهلة مردّه في الحقيقة سوء صياغته التشريعية التي أراد من خلالها أن يُفصح عن رغبته بوضع حدّ نهائي وأخير لتعليق المهل المتعلقة بالقروض المصرفية بغية إعادة بعد ذلك تنشيط العمل المصرفي من جهة أولى، ورغبتهُ أيضاً في الوقت عينه ومن جهة ثانية ضمان حد أدنى وأخير من الحماية القانونية للمقترضين بجعلهم بمنأى عن أية جزاءات اتفاقية أو قانونية أو قضائية قد تنتُج عن تخلُّفهم عن تسديد القروض المصرفية وذلك بتعليقه الإجراءات القضائية والقانونية والعقدية بشأنها خلال فترة زمنية حدَّدها بستة أشهر.
قد يبدو للوهلة الأولى هذ الأمر غريباً بعض الشيء ويدفع الى التساؤل عن الغاية من رغبة المشترع بهذه الصياغة المبهمة نوعاً ما، بيدَ أنَّ الجواب على ذلك يُستنتج من نيّة هذا المشترع السالف التنويه عنها والتي يمكن استنباطها بسهولة من الأسباب الموجبة لهذا القانون من جهة أولى وأيضاً من خلال مواءمة ومضاهاة نصوص مواد قانونه المذكور وتنسيقها وتفسيرها في هذا الشأن مع بعضها البعض من جهة ثانية.
وأنهُ تأسيساً على ذلك ومن نحوٍ أول، يتضح جليّاً بالعودة الى الأسباب الموجبة لهذا القانون أن المشترع اعتمد في اصداره على ذات العلّة التي استند عليها في القانونين رقم 160 و185 السالفيّ الذكر، حيثُ ذكرَ صراحةً في أسباب اصداره للقانون الجديد رقم 199 أن:"جائحة كورونا والأوضاع الاقتصادية والقيود المصرفية أدت الى مزيد من التدهور، ممَّا يُثقِل كاهل المواطنين على كافة الصعد وتحدّ من قدرتهم على تسديد موجباتهم المالية، فكان لا بدّ من اقرار هذا القانون". وفي الواقع، انَّ هذا السبب الموجب، الوارد في القانون المذكور، والمتعلق خاصةً بجائحة كورونا يوجب حتماً -وفي ظل استمرار تفشي الجائحة الصحية- استمرار بقاء المقترضين من المصارف بمنأى عن أيّة ملاحقة قضائية وأيّة جزاءات قانونية وعقدية طيلة فترة الستة الأشهر التي علّق فيها المشترع في هذا القانون تلك الجزاءات والاجراءات والتي تعني عملياً تعليق جميع المهل القانونية والقضائية والعقدية المتعلقة بالقروض المصرفية.
كما أنَّهُ من نحوٍ ثانٍ، وبالعودة الى أحكام هذا القانون، نرى أن المادة الأولى منه ترتبط حُكماً بصورة متلازمة مع المادة الرابعة منه، باعتبار أن المشترع يبتغي وضع حدّ لتعليق المهل ولكنه لا يريد في الوقت عينه أن يُثقل حالياً كاهل المواطن في سداد الأقساط الناتجة عن القروض المصرفية ولذلك علّقَ آثار البنود التعاقدية والاجراءات القضائية المتعلقة بالتخلّف عن تسديد القروض المصرفية خلال فترة الستة أشهر المنصوص عنها في المادة الأولى لتنضم بالتالي الى قافلة المهل الواردة في قانونيّ تعليق المهل المنتهي مفعولهما رقم160 و185، ولكن ما أن تنتهي هذه المهلة الممنوحة منه بصورة أخيرة لأصحاب القروض المصرفية يتم تلقائياً تفعيل المادة الرابعة من هذا القانون وذلك بإلزامهم فيها بإعادة تسديد هذه المستحقات المالية للمصارف، التي تمّ تعليق أو تمديد مهلها طيلة الفترات السابقة مع تعليق الاجراءات القانونية بشأنها، وذلك ضمن جدولة جديدة لهذا الديون تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، مكرِّساً المشترع بذلك للقاضي سلطة استنسابية في هذا الشأن بما لهُ من سلطان تقدير للظروف الشخصية لكل مدين مقترض وبحسب كل قضية على حدة، حيثُ نصّت هذه المادة المشار اليها على ما حرفيّته:" تُسدّد كافة الأقساط والدفعات المالية التي علّقت خلال فترة تمديد المهل سواء للمصارف أو للصندوق الوطني للضمان الإجتماعي أو وزارة المالية أو أي إدارة رسمية ضمن جدولة جديدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات".
وما يقتضي التنويه والتذكير بهِ في هذا المضمار أنه في حال وجود نص قانوني يمكن تأويله الى معنييّن، فيقتضي دوماً تغليب التفسير القانوني الذي يعطي النص المعنى الذي يجعل منه ذا مفعول وتفضيله على التفسير الذي يؤول الى معنى يبقى معهُ النص بلا مفعول وأخذ بالتالي أشدّهما انطباقاً على الغرض المقصود منَ النصّ؛ من هنا نرى بأنهُ لا يمكن تأويل نص المادة الأولى من القانون الجديد تأويلاً مغايراً لنيَّة المشترع المنوّه عنها انفاً والمستنبطة من مدلول عباراته الواردة بشأنها وخاصةً أن الغرض من هذا النص هوَ واضحٌ وجليٌّ في الأسباب الموجبة للقانون المدرج فيه والتي استهدفت بشكل مباشر حماية المواطنين المديونين من أيّة جزاءات عقدية وقضائية وأخذها بعين الحسبان عجزهم وعدم قدرتهم على تسديد موجباتهم المالية في ظل تفشي الوباء واستمرار القيود المصرفية عليهم ولاسيما أنهُ لو شاء المشترع فعلاً عدم حماية المقترضين من المصارف لمدة ستة أشهر جديدة بتعليقه مفعول الجزاءات والإجراءات القضائية ضدهم -والتي تؤدي بصورة تبعيّة الى تعليق المهل خلالها- لَما أدرج أصلاً وبتاتاً المادة الأولى في متنه والتي تؤول حكماً الى هذا التفسير وخاصةً أنَّ ما يُعزز هذا التفسير القانوني الذي جرى تسليط الضوء عليه هوَ المبدأ العام المُكرّس في المادة 369 من القانون الناظم للموجبات والعقود والذي أوجب صراحةً تفسير النصّ عند قيام الشَك لمصلحة المديون على الدائن.
يبقى أن نشير في هذا الصدد الى أنَّ المشترع بنصه في المادة الأولى من القانون المذكور على عبارة "خلافاً لأي نص آخَر" يكون بذلكَ قد جعلَ من هذا النص التشريعي -وفق التحليل المشار اليه المُستند على نيَّة المشترع- نصاً آمراً متعلقاً بالانتظام العام وهو ما يُوجب بالتالي على القاضي إثارته عفواً من تلقاء نفسه بصدد أيّة مراجعة أو طلبات من وكلاء المصارف وإن تغافل عن ذلك المدعى عليهم المتوقفون عن تسديد أقساط القروض المصرفية، ومهما تكن ماهية وأنواع هذه القروض المصرفية، كما يُستدل على ذلك من أحكام المادة الأولى المشار اليها. وغني عن البيان أن هذه النتيجة القانونية تُطبَّق على كافة القروض المصرفية المنعقدة أو المستحقة أقساطها قبلَ أو بعدَ تاريخ 1/1/2021، بيدَ أنَّ هذا الحُكم يشمل فقط القروض دون غيرها من التسهيلات المصرفية الأخرى كالاعتمادات المؤجلة والمستندية وكفالات الدفع وتنفيذ العطاءات وحسابات الجاري المدين غيرها وذلك لكون نص المادة الأولى لا يمكن التوسع في تفسيره باعتباره نصَّاً خاصاً وارداً في قانون استثنائي يقتضي اعمالهُ بصورة ضيقة وتفسيرهُ بصورة حصرية دون جواز التوسُّع في تقدير مندرجاتهِ بجعله مُمتداً وشاملاً لكل أنواع التسهيلات المصرفية.
نخلص الى القول أنَّ تعليق المشترع بالقانون رقم 199/2020 للإجراءات القضائية والقانونية والعقدية المتعلقة بالقروض المصرفية ضمن فترة زمنية حدّدها بستة أشهر يعني عملياً وقانونياً تعليقه ضُمناً وحُكماً هذه المهلة القانونية، فلا يترتب بالتالي على المتخلفين عن سداد القروض المصرفية أيّة عواقب قانونية أو قضائية أو اتفاقية ويكون لِزاماً بالتالي على المحاكم التعامل مع الملفَّات المُقدَّمة اليها من وكلاء المصارف ضد هؤلاء كما كانَ الحال عليه خلال فترة سريان قانونيّ تعليق المهل رقم 160 و185 الصادرين في العام ذاتهُ.

 

مقالات مشابهة

عن لبنان وماكرون ومشروع بايدن للتقسيم

الثورات التي لم تحصل بعد في لبنان!

3 أهداف لمسعى الحزب الحكومي

اين هي بلدية بيروت؟ وأين هو محافظ العاصمة؟

عن الجوائح التي تفترس لبنان

الخارج يفتح ملفات المنظومة.. الحاكم رأس الدومينو والبقية تأتي

إلى رياض سلامة.. استقل.. افضح وارحل!

هل يهدف حزب الله الى التقسيم؟