يومية سياسية مستقلة
بيروت / °22

الحريري سقط.. والحريرية السياسية لا ينقذها بهاء

Tuesday, November 24, 2020

خاص "اللبنانية"
المحرر السياسي

ما حفره الرئيس سعد الحريري وأقرانه للآخرين قد وقعوا فيه، وتحديداً هو شخصياً.. فمنذ استقالته غداة ثورة 17 تشرين الاول 2019 خرج على اساس أنه عائد لاحقاً الى السراي الحكومي "على حصان ابيض"، إذ كان البعض نصحه يومها بالاستقالة والخروج لفترة محددة من اتون قد يحترق فيه حاليا، وأن مصلحته هي الخروج من رئاسة الحكومة تاركاً جهنم لغيره كي يحترقوا فيها ليعود هو لاحقاً بعنوان "المنقذ".

ولقد قيل الكثير يومها ان عواصم قرار اقليمية ودولية نصحت الحريري بالاستقالة وترك الساحة للآخرين لكي يعيثوا فيها ما شاؤوا ويتحملوا مسؤولية الانهيار الحاصل، فينهار كل شيء بين ايديهم ليأتي بعدهم من يبني من جديد على أسس جديدة.

قبيل استقالته يومها والتي لم يستشر بها احد ممن كانوا جاؤوا به الى السراي الحكومي بموجب ما سمي "التسوية الرئاسية"، اعلن الحريري "الورقة الانقاذية الاصلاحية" التي احتوت كثيراً مما تحتويه الآن ورقة المبادرة الفرنسية، لكنه استقال  في اليوم التالي وفي ظنّه ان بديل سواه وان لا حكومة ستشكل من دونه وأنه سيعود لاحقاً بعد نفاذ كل الفرص امام المعنيين، فراح يتدلل على الثنائي الشيعي والآخرين معاكساً رغبتهم الجامحة بعودته الى السراي الحكومي، ولكن عندما أسقط من أيديهم معه طلبوا منه ان يسمّي خليفة له في رئاسة الحكومة فاقتنص الفرصة ليمعن في حرق المرشحين الواحد تلو الآخر واضعاً نظراءه في نادي رؤساء الحكومة السابقين (نجيب ميقاتي، فؤاد السنيورة، تمام سلام) على لائحة انتظار طويل ما زال مستمراً حتى اليوم.. فأحرق بداية محمد الصفدي ليليه سمير الخطيب وخالد قباني ومحمد بعاصيري وكثير من الاسماء التي رُميت له او هو رماها في الساحة وهو يدرك ضمنياً أنها "غيرمقبوضة" لا داخلياً ولا خارجياً لأن طبيعة الازمة التي دخلتها البلاد باتت تتطلب شخصية ذات مواصفات تتخطاه حتى هو شخصياً وحتى نادي رؤساء الحكومة السابقين، لأن ثورة 17 تشرين كانت اعلان الطلاق النهائي بين شعب بات مسحوقاً وطبقة سياسية فاسدة أورثته الانهيار المريع في كل مستويات حياته وفي كل مفاصل الدولة.

قبل الحريري على مضض بحسان دياب لأنه فقد الحيلة يومها من امكانية العودة الى السراي الحكومي، فالاميركيون لا يريدونه وقيل انهم هم من دفعوه الى الاستقالة، والفرنسيون كانوا يسايرونه لكنهم لم يشجعوه على الترشح لرئاسة الحكومة. أما الخليجيون فهم لا يريدون له العودة اليها الى أجل غير مسمّى، وحدهم الروس كانوا مشجعين لعودته ولكن لم يكن في يدهم حيلة ازاء التمنّع الاميركي والرفض الخليجي والمسايرة الفرنسية. المهم انه تم تكليف دياب وتشكلت "حكومة مواجهة التحديات" لكنها ما ان نالت الثقة حتى بدأت العصي توضع في دواليبها سواء بتحركات الشارع التي دخل بهاء الحريري على خطها تحت عنوان "انقاذ الحريرية السياسية" التي يهددها شقيقه سعد بسياساته وتصرفاته ومسايراته وصفقاته السيساية وغيرها، فإذ بحكومة دياب تكابد وتصارع على كل المستويات من الشارع  الى الملفات التي تتصدى لها الى الخلافات التي عصفت بأركانها وكل ذلك كان يُدار من غرفة سوداء تضم الحريري وكل مؤيديه في نادي رؤساء الحكومة السابقين وغيرهم الى درجة ان دياب لم يحظً يوماً بتغطية الشارع السني، بل أن كثيرين عملوا على اظهاره وكأنّه جاء خلافاً لإرادة البيئة التي ينتمي اليها، مع العلم ان الحريري كان هو من أيّد ترشيحه في مكان ما تحت عنوان "ضرورة ان تكون هناك حكومة افضل من أن لا تكون" وذلك عندما ادرك ان لا امكانية خارجية لعودته شخصياً.

بعد استقالة دياب اثر انفجار المرفأ في 4 آب ودخول الفرنسيين بقوة على خط الازمة بحضور الرئيس الفرنسي ماكرون شخصياً ومباشرة على ارض بيروت في زيارتين متتاليتين، ارتفعت أسهم الحريري وشكلت المبادرة الفرنسية  جواز مروره لكي يعود الى السراي الحكومي، إذ شاع ان الاميركيين قبلوا بنصيحة فرنسية بعودته وتدخلوا بناء على رغبة باريس لدى الرياض لتقبل بعودته لكن جوابها ظلّ ضبابياً ورمادياً ليصبح واكثر من دون اعلام السلطات اللبنانية، ما اعتبر نفض يدٍ خليجية نهائية من الاستحقاق الحكومي اللبناني، بل ربما من الوضع اللبناني برمّته الى أجل غير معلوم.

وقد رفعت هذه الخطوة الخليجية من منسوب القلق عند الحريري الذي لم ينجح حتى الآن في تشكيل الحكومة رغم لقاءاته المتكررة مع رئيس الجمهورية ميشال عون، فهو تارةً يريدها حكومة "اختصاصيين غير حزبيين" رافضاً أي تدخل للاحزاب والكتل فيها، وطوراً يريدها كذلك لكنه يشاور الكتل والاحزاب فيها وزاراة واسماء ومداورة ومناورة.... وإذ بالنتيجة حتى الآن أنه لم يقدم اي تشكيلة وزارية لرئيس الجمهورية، بل أن خسارة الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الاميركية  معطوفة سابقا على عقوبات سابقة ضد الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس ثم على عقوبات أخيرا ضد رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل،  زادت من عمق المأزق في وجه الحريري وجعلته يتجرّع "سماً سياسياً" ما كان يريده على رغم انه كان اعتقد ان تجرع هذا السمّ هو فقط قبوله بمشاركة حزب الله في الحكومة.

ولذلك تقول المعلومات ل "اللبنانية" أن الحريري لم يعد مالكاً القرار في اي تشكيلة حكومية الى اجل غير معلوم، ولو كان الامر كذلك لكانت الحكومة تشكّلت قبل انتخابات الرئاسة الاميركية، ولو كان قادراً على ذلك لكان فعلها، لكن تلويح الاميركيين باتخاذ عقوبات ضده جعله يرتعد ويراجع حساباته خائفا من المستقبل، وواقفا في موقع الانتظار، ربما الى حين خروج الرئيس دونالد ترامب من البيت الابيض في 20 كانون الثاني المقبل، وربما الى ما هو ابعد من ذلك، علما ان الحريري بدأ يتوجس من حركة شقيقه بهاء الذي تربطه علاقة وطيدة بالرئيس الاميركي المنتخب جو بايدن الذي كان لبّى دعوته عام 2011 ورعى افتتاح  مركز رفيق الحريري في "اتلانتيك كاونسل".  يبدو ان بهاء الحريري بدأ بعد العدة لاستعادة الوراثة السياسية الحريرية التي يعتبرها في الاساس من حقه، بدليل ان "منتديات لبنان" التي يشرف عليها ما تزال ناشطة في الشمال والبقاع الغربي وبيروت وصيدا، على ان يستثمر في علاقته مع بايدن في هذا الصدد، مزايدا على شقيقه سعد والآخرين بخطاب ناري ضد حزب الله وايران...

ولذلك، يقول معنيون لموقعنا، ان الحريري بات في وضع لا يحسد عليه فهو لا يستطيع ان يؤلف الحكومة التي ينادي بها وهي حكومة "الاختصاصيين غير الحزبيين"، ولا يستطيع في الوقت نفسه تجاهل مطالب رئيس الجمهورية حتى ولو سهّل له الثنائي الشيعي  ووليد جنبلاط الامر على مستوى الحصص الوزارية، علماً أن رئيس التيار الوطني الحر عاد ليتشدد ويدفع في اتجاه ان يكون له الثلث المعطل في الحكومة وان يسمي جميع الوزراء المسيحيين، متصرفاً على اساس ان ادارة ترامب مهما فعل ضده فهي باتت في ايامها الاخيرة وأن امكانية التفاهم مع ادارة بايدن يمكن ان تكون متيسرة خصوصا ان عراب علاقته مع الادارات الاميركية السابقة كان السيناتور الديموقاطي مسؤول العلاقات الخارجية في الكونغرس الاميركي اليوت انجل الذي كان سقط في الانتخابات الديموقراطية التمهيدية عن ولاية نيويورك قبل بضعة اشهر.

مشكلة الحريري انه سقط قبل ان يؤلف حكومته ولانه لم يقتنع بعد بهذا السقوط، كذلك لم يقتنع بعد ان داعميه قد سقطوا ولم يعد لديهم ما يقدموه له، من تغطية او دعم، وأن "اوراق التوت" قد سقطت عن الجميع وبانت كل عورات هذه المنظومة الفاسدة للعيان، وان ساعة انكشاف الحقائق تقترب ولن تلغيها محاولات اجهاض التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان وكل حسابات الدولة وكل الطبقة الفاسدة.. فلقد سقطت الحريرية السياسية مثلما سقطت المارونية السياسية ولم يكن في مقدور بهاء انقاذها، والبلد عاجلا ام آجلا ذاهب الى حياة سياسية جديدة لا مكان فيها للعائلات والسياسية والاقطاعيات، بل لرجال الكفاية والاختصاص من السياسيين الذين يستطيعون ان يصنعوا من الارقام حياة لوطن وشعب يستحق الحياة..

 

مقالات مشابهة

لبننة القضية الفلسطينية عبر الانتخابات المرتقبة

مداهمة رضوان مرتضى: رد الصاع صاعين!

الكتائب متقدمة في مقاربة طبيعة المشكلة والحلول..

هكذا ستعمل المصارف خلال فترة الاقفال العام..

الحريري يستقوي بـ"الخيار التركي" ضد "الخيار السعودي"

تحركات في LBCI بعد إصابة مقدّمي نشرة الأخبار.. ماذا يحصل؟

اي تأثير للمصالحة الخليجية - الخليجية على لبنان؟

أين أموال اللبنانيين؟ أين الودائع؟