يومية سياسية مستقلة
بيروت / °22

مغامرة الحريري: هل فعلاً تجرع السُمّ أم دسَّه؟

Friday, September 25, 2020



لكلِ فريق سياسي ان يُفسّر خطوة الرئيس سعد الحريري على طريقته، ويُخضِعها للتقييم الذي يناسبه. إلاّ ان الجميع يلتقون على ان موافقة الحريري على إسناد وزارة المالية للطائفة الشيعية، أحدثت صدمة في محيطه ولدى نادي رؤساء الحكومة السابقين ولدى الثنائي الشيعي ايضاً، الذي تراوحت مواقفه بين التخبّط والتريث المتردد، والاعتراض على عبارة "لمرة واحدة فقط".

موقف الحريري أنعش المبادرة الفرنسية لتأليف الحكومة، لكنه أربك الجميع. وكان وقع الانزعاج واضحاً لدى رؤساء الحكومة، إذ وضعوها في خانة المبادرة الشخصية التي لا تُلزمهم، في موقف تم تفسيره إمّا في خانة توزيع الأدوار بين "دولة الرؤساء" السابقين، وإمّا تعبيراً عن عدم الرضى. فيما حاول الثنائي الشيعي أخذ الخطوة في اتجاهات متفاوتة، حيث أعربت مصادره عن عدم ارتياح للتفويض الذي أعطاه الحريري لنفسه بحق البت بالاستثناءات المتعلقة بالسماح للشيعة تسمية مرشحهم للمالية. لكن الضربة الأكبر كانت إسقاط مبدأ المداورة في الحقائب.

تيار المستقبل حاول تسويق موقف رئيسه بأنه في إطار التضحيات التي بدأها الرئيس الحريري لإنقاذ البلاد، مع القبول بتسمية مصطفى أديب دعماً للمبادرة الفرنسية، ولاحقاً بإعادة المالية الى الحصة الشيعية، الامر الذي لم يكن منعزلاً عن الرغبة الفرنسية بالتأليف، في ظل المخاوف التي بدأت تتهدد الصيغة اللبنانية في حال استبعاد المكون الشيعي. بالمقابل بدا واضحا ان الثنائي الشيعي التقط أنفاسه، ولولا عبارة "لمرة واحدة"، فأنه الرابح الأكبر من الطرح، لأنه أعاد تثبيت قدرته على الربط والحل، وأن أحداً غير قادرٍ على قلب التوازنات واجراء تعديلات على الخريطة اللبنانية السياسية والمس بمكتسبات الشيعية السياسية.

لكن الحريري بالنسبة الى كثيرين وضع الثنائي امام أحد خيارين، قبول المبادرة او رفضها. ففي الحالة الاولى يكون الثنائي قد فاز في مواجهة تثبيت الموقع للطائفة، أما اذا رفض فيكون قد ظهر بمظهر المعرقل والمخرب للمبادرات والحلول.

المبادرة فتحت ثغرة في الجدار الحكومي، وعلى الأرجح ان رئيس تيار المستقبل أدى مهمة وطنية تقوم بالتسهيل، لكن ذلك لم يمنع الاعتراضات على أسلوب وأداء الحريري وانتقاده على "معادلة تجرّع السم". ووفق شخصيات سنيّة معترضة على الموقف، فإن الحريري خاض مغامرة مُخاطِراً بما تبقّى من رصيده السياسي والمعنوي وعلاقاته الدولية، من دون مباركة حلفائه في الداخل. فهو حتماً ورّط نفسه بمشكلة سياسية مع الرياض، بعد موقف الملك سلمان عن "سيطرة حزب الله على القرار بقوة السلاح"، بما يمثل الموقف السعودي للطائفة السنية، وربطاً بتداعيات وقف المساعدات من الخليج والولايات المتحدة الأميركية.

يرى المعترضون ان الموقف الأخير بتسليم المالية للثنائي بداية انتحار الحريري السياسي، بعد بمسلسل التنازلات وارتدادتها على جمهوره، من خيبات التسوية السياسية الرئاسية والخروج منها، والقبول بتفاهمات سياسية وتموضعات لم تكن لمصلحة تيار المستقبل. وقد يكون أفضل توصيف يُقال في دائرة الحريري اليوم، ان الرئيس الحريري لم يُحرِج أحداً بمقدار ما أحرج نفسه وتياره، حيث لم يكن هناك داعٍ لتجرّع السم وحيداً.

الحدث - ابتسام شديد
وإن كانت مصادفة سياسية، إلا أن تقديم الرئيس سعد الحريري استقالة حكومته بتاريخ 29 تشرين الأول 2019، أي في توقيت تزامن مع مرور ثلاث سنوات كاملة على تاريخ تولي العماد ميشال عون رئاسة الجمهورية في 31 تشرين الأول 2016، قسم مدة ولاية العهد "6 سنوات تنتهي في العام 2022" إلى فترتين متساويين زمنياً.

خلال الفترة الأولى "التي امتدت من بدء رئاسة عون 2016 حتى اندلاع الانتفاضة 2019"، وبموجب التسوية الرئاسية مارس الرئيس "القوي"، مباشرة و/أو ممثلاً برئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل، الحكم بذهنية استرجاع الصلاحيات المسلوبة من رئاسة الجمهورية في اتفاق الطائف، وبأسلوب فرض هيمنة على دور وصلاحيات الرئيس الثالث، الأمر الذي أضعف وحجَّم وأحرج الحريري، كـ "شخص وزعيم وشريك" أمام كل البيئات التي ينتمي إليها و/أو يحتمي بها في الداخل والخارج على حد سواء.

خلال السنة الأولى من الفترة الثانية "التي بدأت مع انتفاضة 2019 والمستمرة حتى نهاية الولاية 2022"، وكردّ فعل، على ما عاناه جراء الهيمنة والإضعاف والتحجيم والإحراج وما حصده من خيبة وتراجع في الفترة الأولى وسعياً لضمان وحماية المكتسبات السنية من اتفاق الطائف، رمى الرئيس الحريري قنبلة الاستقالة ففجَّر التسوية الرئاسية، ووضع نفسه في مواجهة علنية ومفتوحة مع الجميع، حلفاء وخصوم.

بالمختصر، في الفترة الأولى (2016 - 2019) كان عون حاكماً، أما في السنة الأولى من الفترة الثانية (2019 - 2022)، يبدو الحريري متحكماً باللعبة والسلطة، وقد يبقى كذلك حتى الاستحقاق الرئاسي المقبل.

عملياً، مواقف وممارسات الحريري حتى اليوم، تؤشر إلى نيّته التحكم "شبه المستحيل" بمجريات الأمور ومستقبلها، وهو الخائف من احتمال وقوع الرئيس المقبل للبلاد في إغراء المزايدة على عون وفريقه في الأسلوب والممارسات. ومما قام ويقوم به الحريري في هذا الاتجاه، على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:

- بالغ الحريري في تنصيب نفسه "صانع رؤساء حكومات ومُسَمِّي وزراء".

- تمكن الحريري من زرع رئيس مكلف "غير مقيد بمهلة زمنية"، من غير الممكن في حال فشله وعدم اعتذاره لا العودة إلى الوراء ولا التقدم إلى الأمام في تفعيل أو تكوين السلطة التنفيذية.

- منح الحريري "تيار المستقبل" إجازة، واستعاض عنه برؤساء الحكومة السابقين الذين خاض معهم، وبهم، معركته.

- وفر الحريري احتضاناً ضمن له ولاء الرئيس المكلف، ودوراً فاعلاً ومباشراً في إدارة المرحلة والملفات.

- واظب الحريري على تجاهل دور وصلاحيات وشراكة رئيس الجمهورية في تأليف الحكومة، الأمر الذي بدا وكأنه محاولة "إنهاء مبكر" للعهد.

- استحدث الحريري عقداً جديدة عبر استفزازه "التيار الوطني" وكل المكونات، جراء موافقته على أن تكون حقيبة المالية من حصة الطائفة الشيعية، مع الإصرار على حصر تسمية باقي الوزراء بالرئيس المكلف.

بالمراجعة، قد يكون الحريري "تجرع السُمّ" عندما عقد التسوية الرئاسية، وقد يكون العهد والتيار وحلفاؤهما "أخطأوا" بحقه وحق من يمثل.

لكن، هذه المرة، وفي هذه الظروف الجهنمية، وبعد مواقف وممارسات الرئيس الحريري وما لها من خلفيات خارجية خطيرة ومفاعيل وتداعيات داخلية مقلقة، هناك سؤال هو التالي:

هل فعلاً تجرع الحريري السُم أم دسَّه في المبادرة وللعهد وبين الأفرقاء؟

 الحدث - حسن سعد

 

مقالات مشابهة

حريقٌ كبير ليلاً في بنتاعل - جبيل.. وصلَ الى المنازل وأحدث أضراراً

الأمور متّجهة نحو الانفراج: الحكومة بأقلّ من 10 أيّام بهذه الشروط الأميركية!

اغلاق المؤسسات العالمية تابع..

مخزومي: لحكومة من مستقلين بدون تدخل الاخزاب

18 بلدة تعود لحياتها الطبيعية... الداخلية تعدّل

بين بو صعب والمجذوب.. ما جديد التحقيقات بمخالفات التربية؟

بعد مقاطعة الاستشارات أمس.. هل يشارك ارسلان في استشارات اليوم؟

العريضي: يبدو اننا في لبنان أمام رجال سلطة لا رجال دولة