يومية سياسية مستقلة
بيروت / °22
عن هجرة ظلّي وكهف العتمة وجلد الذات

Thursday, July 30, 2020

بقلم أنطوان العويط

ملاعينُ هم قادتك أيّتها المرأة البلاد. أدمنوك بالفحيح ولم يترنّحوا وقد أنشَبَت مخالبهم في شرايينكِ نهشاً، وأسرجوا فجورَهم على جسدكِ وليس من يلجمُ أفواهَهم النتنة.
لن تُشرقَ الشمس على أيديكم، قالها ابني رواد عالياً، أنتم الذين لا تجيدون إلاّ توليد الظلم والاستبداد والتعاسة والذلّ والجوع والموت...والهجرة.
الهجرة؟ كنت طويلاً تحضّرتُ يا رواد لهذه اللحظة وكنت بإسهابٍ هيّأت شتاتي علّني، إلاّ أنّ فشلي كان أكيداً محتّماً وذريعاً.
لم تنفع تغريدات من يستقبل الصباح في إزاحةِ ذلك الحجر عن صدري. كان تماسكي لعبةً مكشوفة. على مرمى حجر قالوا. لا تخشى أيّها الرجل الفراق. لا تخفْ. لا تتهيّب الموقف.
وها أنا، من كَثرةِ هزائِمي يتكوّنُ بعضي كالحِبْرِ وبعضي الآخرُ كالورقة. أعترفُ. كلّيَ سوادٌ لولا بياضِ بعضي الورقة. وما بينهما بعضي الحِبْرُ وبعضي الورقة، أنا قطعاً مغلوبٌ مكسورٌ محطّمٌ. ليسَ لِقلَّةِ حُجَتّي، بل لأنّه حدثَ مع أولى إطلالتها الشمس، أن جفّ الحبر وتشلّعت الورقة.
كان أن غادرني ظلّي.
كان أن هاجر رواد.

***

ما لي ولكَ أيها النبيل تُجالِسني. أشْعرُ اختلّت وظائفَ الوعي لديّ. ومن عظيم ألمي كانَ لي أن أهرب. وعندما فعلتُ، كنتُ أستجيبُ لمنبّهٍ غير منظور يدعوني إلى الابتعاد. كان لي أن أهرول. أن أجري. ان أركض. أن أعدو. وعندما فعلتُ، كنتُ أحاول بالتوهّم والحلم أن أقضي على منابع اليقظة لديّ. وكلّما هممت بالتوغّل البريء، كانت تحلّقُ روحي بعيداً عن موطِنها.
بكرم لا سقفَ له ارْتَحلْتُ مرّةً إلى أمّي الطبيعة فاحتضنتني. فيها تعرّفتُ على الرحم أنا الرجل الجنين. وفيها أدركتُ جيناتي – يا لهول الاكتشاف - وما أنا عليه.
ركنْتُ مرّةً أخرى إلى ذلك الوادي الهيام العشق الولع التيم الوجْد. قاديشا ولم أكتفِ. كيف لي أن أروي ظمأ الحرّية إلى اللاحدود واللانهاية واللاختام. أبالشجاعة أتقبّلُ ضعفي بقوّة الاعتراف والتعرّف. أبالخوف ممّا هو غير منطقيّ وحسّي. أبالغضب أبتكرُ الحلول ببيدر حنطة وحبّةِ قمح لعصافير الربيع. أبالالفة والالتزام والقبول والحضور أعطّرُ دهشة الجنائن إلى الألوان.
هيهات هذه السمات التي بثقةٍ كنت أعتدّ بها، تتماسك. كان أن تلاشت. تبدّدت. تداعت. وتقول لي أيها النبيل إياكَ جلد الذات؟!

***
كما لو كنتُ مختبئاً في كهفي الخاص. كسجين أشهرْتُ صلاةَ الاستسقاء لنورٍ بعد أن ظننتُ العتمة حقيقة. وبرهاب الخلاء والاكتئاب اللطيف، خيّل لي أن الكهف هواء وماء وضوء. لن أكون أيّها الكهف رجلكَ. ها هي امرأتي صونيا تغسل روحي بالندى وتعيدُ لي الحبر والورقة.
وعلى الرغم من جهنّم الجوع والظلم والموت والهجرة، ها أنا أسترجعُ حبْكَ القصيدة بسرّة الحياة. وها أنا أرتفع بالحبِّ حرّاً لائقاً شفّافاً ناصعاً صادقاً مبتهلاً بهيّاً صفيّاً. وها أنا مع عائلتي، بفضلٍ من وِداد صونيا المحبّة الصابرة الحنونة المعطاء، وبإحاطةِ من مجلسٍ يوميّ في حضرة سيّدي وأميري ومولاي الطفل بيتر، وبنقاءٍ عذبٍ من قلب يارا، وبتألّقِ بريسيلا ورواد ولو في غربتهم، وبوثاقٍ ساطع من وهج داليا وجاد، أحرّرُ الروح. أعْتِقها من التيه. من كلِّ اندحار. من كلِّ انكسار. من كلِّ هزيمة.
مُعْتِمٌ هو البؤس، الرجال والحرب. أولئك يظنّون يملكون عرشَ الزمان. خسِئوا. أرض الحبّ لا يحدّها زمن أو مكان، لدى من يملكون قلبَ طفلٍ.
فايْقظْ يا حبّ ما طابَ لكَ من العصافير، بفضاءٍ لا فسْحةَ فيه للرضوخ ولا للخنوع ولا للاستكانةِ ولا للإذعانِ ولا للاستسلام. أشْهِرْ يا حبّ الحرّية لأنّها حياة، ولأنّك أنتَ هو العصفور. الطفلُ هو أنا.

 

مقالات مشابهة

المجتمع الدولي يحضّر خريطة جديدة للبنان!

الإتحـاد الأوروبـي ودولـة القانـون وسيـادة القانـون والإصـلاح

احتضار مدينتي.. "خبري العاجل"

مُقدّمات سبقت استقالة الحكومة... هل يتكرّر سيناريو 2005؟

"أمونيوم ســياسي" ينفجر بدياب!

في لبنان ...كل المفاجآت واردة حتى تشرين!

هل السماسرة يشترون البيوت التراثيّة المهدّمة في الجمّيزة ومار مخايل والمدوّر والكرنتينا والأشرفيّة؟

الاميركيون والاوروبيون والخليجيون للبنانيين.. مشكلتكم فساد سياسييكم لا حزب الله