يومية سياسية مستقلة
بيروت / °15
أغنى مجلس بلديّ في لبنان: يبشّر بالجنّة ويأوي الشياطين

Monday, March 23, 2020

خاص "اللبنانية"
زهير فاضل

ثمّة قول شائع يحذّر من أنّ "الشياطين تكمن في التفاصيل" وينطبق على كلّ مشروع يغيب عنه الوضوح والشفافية.
ولعلّ أوضح مثل يُضرَب عن مكمن الشياطين هذا ممارسات بلديّة بيروت بمجلسها الحاليّ.
قبل كارثة الكورونا كانت لمجلس هذه البلديّة عناوين وأبواب أبرزها محرقة للنفايات وقبلها زينة الأعياد ومثلها التعقيم والتحريج... وكلّها عناوين وأبواب تشنّف الآذان ولا تراها العيون.
فالمجلس الحاليّ لبلديّة بيروت لا يسعى إلى تحقيق إنجازات فعليّة بل يهمّه تقديم فواتير تغطّي ممارساته، كي نستهلك من الفاتورة تبويبها أي وصف دواعي الصرف، ويتصرّف المجلس خفيةً بأرقامه السحريّة المنوطة بتلك الأبواب والأوصاف.
لأهل بيروت جنّة الوعود الطنّانة الرنّانة وللخاصّة من المحظيّين (أعضاء مجلس ومتعهّدين ومقاولين) سرّ النعيم المنضوي على المبالغ والموازنات الفضفاضة.
قبل 17 تشرين كان آخر هموم البلديّة الثريّة معالجة مشاكل البيئة والنفايات وأولى أولويّاته إتمام صفقة المحرقة سواء نفعت أو لم تنفع. ألمهمّ: إبرام الصفقة وتمريرها.
مع هبوب الغضب الشعبيّ في 17 تشرين لم تتراجع "الفواتير" بل تكيّفت عناوينها وأبوابها فصارت تسعى لاجتذاب الناس بـ 20 ألف وحدة غذائيّة، مسألة بدأت تتصدّر الاهتمام البلدي على حساب كلّ ما عداها من مسائل واهتمامات.
وجاءت عاصفة الكورونا فهل تبدّلت الأولويّات؟
بكورونا أو بلا كورونا، لا نزال نسمع بالعشرين ألف وحدة غذائيّة كما لو كانت الانتخابات النيابيّة حاصلة غدًا أو بعد غد، فتطالعنا أخبار هذا "العمل الجبّار" مشيدة بالهيئات والاتّحادات والجمعيّات العائدة إلى المرجعيّة السياسيّة لرئيس البلديّة.
في هذه الأثناء يتساءل أهل بيروت وسكّانها عن تفاصيل كثيرة وما تؤويه من صداع مخفيّ.
فالأهالي في زمن الأوبئة لا ينحصر تفكيرهم في صناديق طعام ذات مردود على صناديق الاقتراع، بل يهمّها أن تعرف ماذا أعدّت البلديّة لمكافحة الوباء المستشري.
هل من خطّة أعدّتها لتأمين مستلزمات الوقاية لسكّان العاصمة أم انحصر الهمّ في الناخبين وفق لوائح الشطب ولو كانت سكناهم خارج بيروت؟
هل وضعت برنامجًا رصينًا للمثابرة في "تعقيم" الشوارع والساحات بدل الاستعراضات الدعائيّة الهادفة إلى "تلقيم" المؤتمرات الصحافيّة والتصريحات الشعبويّة؟
وماذا عن المستوصفات التابعة للبلديّة، ودعم موادّ الوقاية والتعقيم المنزلي والشخصي، وتأمين وسائل الفحص المجّاني لفيروس الكورونا بخدمة سكّان بيروت؟
ألا تستحقّ هذه الأولويّات من بلديّة العاصمة أن توضَع قبل صفقات المأكولات ووجاهة الصالونات وتبييض صفحة الجمعيّات؟
وبدل ملاحقة "المكلّفين" وتهديدهم بحجز عقاراتهم في حال عدم سداد الرسوم البلديّة، أليس حريًّا بالبلديّة أن تحاسب مثلًا المتعهّد الذي قصّر في تنفيذ مشروع تحريج بقيمة 5 ملايين دولار فكان عقابه الوحيد بعض العتاب وامتناعًا خجولًا عن "تنفيعه" بمشروع مماثل؟
لكن، لا.
ألآولويّة تبقى لأهل الدار. والدار هكذا تدار:
لعامّة الناس ما تقشعرّ له الأبدان من وعود وشعارات، وللبلديّة أرقامها ودهاليز أزلامها.
ومَن يجعلِ المعروفَ في غَيْرِ أهلِه
يَكُن حَمْدُهُ ذَمًّا عَلَيْهِ وَيَنْدَمِ
حين فرغت من كتابة هذا المقال جلست أشاهد سهرة "صار الوقت" مع المتبرّعين من لبنان والعالم.
وفي غمرة الاتّصالاات أعلن صاحب البرنامج أنّه في صدد تلقّي اتّصال من رئيس بلديّة بيروت المهندس جمال عيتاني، فغمرني إحساس بالتردّد. مَن يبادر للاتّصال بمهرجان من التبرّع قارب حتّى هذه اللحظة العشرين مليار ليرة لبنانيّة في يوم واحد قد يحمل موقفه درجة من السخاء ونكران الذات تجعل هذا المقال وكلّ ما قد يقال ضربًا من التجنّي.
انتظرت مستعدًّا لمسح مقالي كأنّه ما كان.
وبعد إعلانات متكرّرة عن الاتّصال واسم صاحبه ولقبه، حصلت المكالمة وإذا بالمهندس المبادر يكّرر ما سبق أن سمعناه منه مرارًا في مؤتمراته وتصريحاته وسائر "فواتيره" الإعلاميّة عن أرجوزة الوحدات الغذائيّة وأنشودة التعقيم الموسمي الاستعراضي إلخ... مع إضافة كان تهذيبي يمنعني من توقّع سماعها إذ قال المهندس عيتاني ما مفاده: "وكان المجلس البلديّ قد أقرّ مبلغ 750 مليون ليرة لبنانيّة تبرّعًا للصليب الأحمر اللبناني ولكن تبيّن أنّ تبرّع البلديّات للمؤسسات والجمعيات يقتضي الحصول على موافقة رسميّة من مجلس الوزراء وقد عهدنا إلى وزير الداخليّة بالحصول على الإذن المطلوب."
ربّما كان الهدف التكتيكي من هذا "الإعلان" تسجيل حضور وهميّ بمبلغ قد تقشعرّ له الأبدان، ثمّ يراهن المتّصل على ما يؤمن به من ضعف في ذاكرة المتابعين.
غير أنّ الأمين العامّ للصليب الأحمر السيّد جورج كتّانة أبى أن يختم كلامه بعد ذلك إلّا بتعليق على ما كان قد سمعه من المهندس عيتاني فأوضح أنّ ثمّة بلديّات جادّة مثل بلديّتي الحازميّة وبعبدا قد تبرّعت بمبالغ كبيرة للصليب الأحمر من دون أيّ عائق شكليّ أو قانونيّ ومن دون استصدار أيّة موافقة من مراجع عليا.
وبدل أن أمسح المقال جاءت هذه الإضافة تؤكّده مع شكرنا الجزيل للسيّد عيتاني.

 

مقالات مشابهة

المخيمات.. قنبلة موقوتة قابلة للانفجار بكورونا

أي كمامة تقي من كورونا.. وماذا عن كمامات القماش؟

اعياد الشعانين والفصح في زمن "كورونا".. مراسم "مُلغاة"

طلبات تخلية السبيل "ما أكثرها" ولكن..

الاخطر من "كورونا".. الشائعات التي تواكبه

"دايت كورونا".. للحجر المنزلي

أغنى مجلس بلديّ في لبنان: يبشّر بالجنّة ويأوي الشياطين

لبنان بعد جائحة كورونا.. من النخبوية الى الشعبوية!